الثعالبي

149

جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي )

فقال أبو عبيدة ( 1 ) وغيره : إن في كتاب الله تعالى من كل لغة ، وذهب الطبري وغيره إلى أن القرآن ليس فيه لفظة إلا وهي عربية صريحة ، وأن الأمثلة والحروف التي تنسب إلى سائر اللغات إنما اتفق فيها توارد اللغتين ، فتكلمت العرب والفرس أو الحبشة بلفظ واحد ، وذلك مثل قوله تعالى : ( إن ناشئة الليل ) [ المزمل : 6 ] قال ابن عباس : نشأ بلغة الحبشة : قام من الليل ( 2 ) ، ومنه قوله تعالى : ( يؤتيكم كفلين من رحمته ) [ الحديد : 28 ] ، قال أبو موسى الأشعري ( 3 ) : كفلان : ضعفان من الأجر بلسان .

--> باتفاق النحاة على أن منع صرف نحو " إبراهيم " ، و " سليمان " ، و " داود " للعلمية والعجمة . ورد هذا الاستدلال بأن الأعلام ليست محل خلاف ، فالكلام في غيرها موجه بأنه إذا اتفق على وقوع الأعلام فلا مانع من وقوع الأجناس . وقد اختار السيوطي مذهب القاتلين بالوقوع ، واستدل له بما أخرجه ابن جرير بسند صحيح عن أبي ميسرة التابعي الجليل قال : في القرآن من كل لسان . وروي مثله عن سعيد بن جبير ووهب بن منبه . وكان في ذلك إشارة إلى أن كتاب الله حوى علوم الأولين والآخرين ، ونبأ كل شئ ، فلا بد أن تقع فيه الإشارة إلى أنواع اللغات والألسن ليتم إحاطته بكل شئ ، فاختير له من كل لغة أعذبها وأخفها وأكثرها استعمالا للعرب . وأيضا فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم مرسل إلى كل أمة ، وقد قال تعالى : ( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ) [ إبراهيم : 4 ] فلا بد وأن يكون في الكتاب المبعوث به من لسان كل قوم ، وإن كان أصله بلغة قومه هو . وثمة مذهب يجمع بين القولين ، وهو قول أبي عبيد القاسم بن سلام ، فقد قال : والصواب عندي مذهب فيه تصديق القولين جميعا ، وذلك أن هذه الأحرف أصولها أعجمية كما قال الفقهاء ، لكنها وقعت للعرب ، فعربتها بألسنتها وحولتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها ، فصارت عربية ، ثم نزل القرآن وقد اختلطت هذه الحروف بكلام العرب ، فمن قال : إنها عربية فهو صادق ، ومن قال : أعجمية فصادق . ومال إلى هذا القول الجواليقي وابن الجوزي وآخرون . وللتاج السبكي نظم لهذه الكلمات الأعجمية ، وقد زاد عليه كل من الحافظ ابن حجر والسيوطي . ينظر : " الإتقان في علوم القرآن " ( 2 / 125 - 129 ) ، و " التحبير في علم التفسير " ( 200 - 202 ) ، وكلاهما للحافظ السيوطي . ( 1 ) معمر بن المثنى التيمي البصري ، أبو عبيدة النحوي : من أئمة العلم بالأدب واللغة ، ولد في 110 ه‍ قال الجاحظ : لم يكن في الأرض أعلم بجميع العلوم منه ، كان إباضيا شعوبيا ، من حفاظ الحديث ، لما مات له يحضر جنازته أحد ، لشدة نقده معاصريه توفي 209 ه‍ ، له مؤلفات منها : " مجاز القرآن " ، " الشوارد " ، " الزرع " . ينظر : " وفيات " ( 2 / 105 ) ، " المشرق " ( 15 / 600 ) ، " تذكرة الحفاظ " ( 1 / 338 ) ، " بغية الوعاة " ( 395 ) ، " السيرافي " ( 67 ) ، " الأعلام " ( 7 / 272 ) . ( 2 ) ينظر : " الطبري " ( 1 / 31 ) ( 2 ) ، والبيهقي في " سننه " ( 3 / 20 ) ، وذكره السيوطي في " الدر " ( 6 / 443 ) ، وعزاه لسعيد بن منصور ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن نصر ، وابن المنذر ، والبيهقي في " سننه " . ( 3 ) هو : عبد الله بن قيس بن سليم بن حصار بن حرب بن عامر بن غنم بن بكر بن عامر بن عذب بن وائل بن ناجية بن الجماهر بن الأشعر . . أبو موسى الأشعري . صحابي مشهور ، كان حسن الصوت